الشيخ محمد رشيد رضا
225
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رأينا بعد تفسير الآيتين بما يفهم من ظاهر اللفظ بالاختصار أن نفصل ما اشتملتا عليه من الفوائد والاحكام ، ليظهر حتى للضعيف في علم العربية ما فيهما من إعجاز الايجاز ، وما جنته المذاهب النحوية والفقهية على كثير من العلماء ، حتى قال ما قال في الآيتين أشهرهم بسعة الاطلاع أو بالدقة والذكاء . أما دعوى النسخ فقد علم مما سلف ومما سيأتي قريبا ما عليه المحققون من أنه ليس في سورة المائدة منسوخ ، وقد حرر المسألة الحافظ ابن كثير في تفسيره فقال : « ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضا ما رواه أبو جعفر ابن جرير حدثني يعقوب حدثنا هشيم قال أخبرنا زكريا عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الصلاة بدقوقا قال فحضرته الوفاة ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب - قال - فقد ما الكوفة فأتيا الأشعري يعني أبا موسى الأشعري رضي اللّه عنه فأخبراه وقدما الكوفة بتركته ووصيته ، فقال الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - قال - فأحلفهما بعد العصر باللّه ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا ، وانها لوصية الرجل وتركته ، - قال - فأمضى شهادتهما . ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي داود الطيالسي عن شعبة عن مغيرة الأزرق عن الشعبي أن أبا موسى قضى به . وهذان اسنادان صحيحان إلى الشعبي عن أبي موسى الأشعري . فقوله : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الظاهر - واللّه أعلم - انه انما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء ، وقد ذكروا ان اسلام تميم بن أوس الداري رضي اللّه عنه كان سنة تسع من الهجرة ، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرا يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام واللّه أعلم » ثم قال الحافظ ابن كثير بعد ان أورد قول السدي في الآية الأولى : « قال عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنه كأني أنظر إلى العلجين حين انتهي بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره ففتح الصحيفة فأنكر أهل الميت وخوفوهما فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر ، فقلت انهما لا يباليان صلاة العصر ، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما ، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في « تفسير القرآن الحكيم » « 29 » « الجزء السابع »